أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

104

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وأمّا قراءة الجماعة ففيها أربعة أوجه : أحدها : أنها بدل من « أني قد جئتكم فيجيء فيها ما تقدّم في تلك لأنّ حكمها حكمها . الثاني : أنها بدل من « آية » فتكون محلّها ، أي : وجئتكم بأني أخلق لكم ، وهذا نفسه آية من الآيات ، وهذا البدل يحتمل أن يكون كلا من كل إن أريد بالآية شيء خاص ، وأن يكون بدل بعض من كل إن أريد بالآية الجنس . الثالث : أنها خبر مبتدإ مضمر تقديره : هي أني أخلق أي : الآية التي جئت بها أني أخلق ، وهذه الجملة في الحقيقة جواب لسؤال مقدّر كأن قائلا قال : وما الآية ؟ فقال ذلك . الرابع : أن تكون منصوبة بإضمار فعل ، وهو أيضا جواب لذلك السؤال كأنه قال : أعني أنّي أخلق ، وهذان الوجهان يلاقيان في المعنى قراءة نافع على بعض الوجوه فإنهما استئناف . و لَكُمْ متعلّق بأخلق ، واللام للعلة ، أي : لأجلكم بمعنى : لتحصيل إيمانكم ودفع تكذيبكم إياي ، وإلّا فالذوات لا تكون عللا بل أحداثها . و « مِنَ الطِّينِ » متعلق به أيضا ، و « مِنْ » لابتداء الغاية ، وقول من قال : « إنها للبيان » تساهل ، إذ لم يسبق منهم تبيّنه . قوله : كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ في موضع هذه الكاف ثلاثة أوجه : أحدهما : أنها نعت لمفعول محذوف تقديره : أني أخلق لكم هيئة مثل هيئة الطير ، والهيئة : إمّا مصدر في الأصل ثم أطلقت على المفعول أي المهيّأ كالخلق بمعنى المخلوق ، وإمّا اسم لحال الشيء ، وليست مصدرا ، والمصدر : التهيّؤ والتّهييء والتّهيئة ، ويقال : « هاء الشيء يهيء هيئا وهيئة إذا ترتّب واستقرّ على حالة مخصوصة » ، ويتعدّى بالتضعيف ، قال تعالى : وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً « 1 » . والطين : معروف ، طانه اللّه على كذا وطامه بإبدال النون ميما أي : جبله عليه ، والنفخ معروف . الثاني : أنّ الكاف هي المفعول به لأنّها اسم كسائر الأسماء وهذا رأي الأخفش ، يجعل الكاف اسما حيث وقعت ، وغيره من النحاة لا يقول بذلك إلا إذا اضطرّ إليه كوقوعها مجرورة بحرف أو بإضافة أو تقع فاعلة أو مبتدأ ، وقد تقدّم جميع أمثلة ذلك مسبوقا فأغنى عن إعادته هنا . والثالث : أنها نعت لمصدر محذوف ، قاله الواحدي نقلا عن أبي علي بعد كلام طويل ، قال : « وتكون الكاف في موضع نصب على أنه صفة للمصدر المراد ، تقديره : أني أخلق لكم من الطين خلقا مثل هيئة الطير » . وفيما قاله نظر من حيث المعنى ؛ لأنّ التحدّي إنما يقع في أثر الخلق ، وهو ما ينشأ عنه من المخلوقات لا في نفس الخلق ، اللهم إلا أن تقول : المراد بهذا المصدر المفعول به فيؤول إلى ما تقدّم . وقال الزمخشري : « إني أقدّر لكم شيئا مثل هيئة الطير » فهذا تصريح منه بأنها صفة لمفعول محذوف ، وقوله « أقدّر » تفسير للخلق ، لأن الخلق هنا التقدير ، كقول الشاعر : 1302 - ولأنت تفري ما خلقت وبع * ض القوم يخلق ثمّ لا يفري « 2 »

--> ( 1 ) سورة الكهف ، آية ( 16 ) . ( 2 ) تقدم .